بين الطبيب والاختصاصي النفسي

بين الطبيب والاختصاصي النفسي

بعد ساعة من إقلاع طائرة الإمارات من مطار روما، حدثت حالة هرج على بعد خطوات مني، بين راكب سيرلانكي ومضيفي الطائرة، بعدها قيدوا يديه ورجليه وأجلسوه على كرسي المضيف، ووقفوا يحرسونه وهم في حالة من الارتباك.

وعندما سألت مضيفة مذعورة: “ما الأمر؟” أجابت: “أن راكباً حاول فتح باب قمرة القيادة، وأظنه إرهابياً رغم تظاهره بالجنون”، قلت لها: “رغم أنني لم أرى الشخص إلا أن الاحتمال الكبير أنه ليس إرهابياً، ولكني يعاني من حالة فوبيا الأماكن المغلقة أدت إلى حالة ذعر panic ، سألت باستغراب: “هل تعني أن الأمر مجرد مرض نفسي”، أجبت: “بل مشكلة نفسية وليست مرضاً”، فسألت: “هل تفهم بهذه الأمور”؟ أجبت بنعم.

أخبرت المضيفة المذعورة احد المضيفين الحراس برأيي، فأتى إلي وسألني: “هل أنت طبيب؟” قلت: “لا، أنا أخصائي نفسي”، قال: “لا نحتاجك بل نحتاج إلى طبيب لنعرف إن كان الأمر نفسي، أم أنه سلوك إرهابي”، قلت: “حسناً كما ترون”، وفوراً تم استدعاء أي طبيب على متن الطائرة، فتوجه طبيب وطبيبة إيطاليين شابين، وطبيبة إنجليزية وطبيب مصري.

وبعد مرور ما يقارب الساعتين، وفي طريقي إلى دورة المياه وجدتهم ما زالوا يتناقشون حول تشخيص حالته، فسألت الطبيب المصري: ما هو تشخيصكم؟ قال: قد تكون حالة قلق anxiety ، قلت: “لا أظن ذلك، فالقلق لا يؤدي إلى مثل هذا السلوك الفجائي، كما أنه مستمر وعلى أي شيء، لكنه يعاني من فوبيا الأماكن المغلقة قادت إلى حالة ذعر، فالذعر فوري وفجائي”، وأشرت إلى لوحة فحص النبض قائلاً: “لاحظوا أن دقات قلبه سريعة وعالية، كما أن تنفسه ضحل ووجهه متعرق”، فوافقتني الطبيبة البريطانية، وسألتني: “ماذا تقترح؟ أجبت: “في حالته يجب أن يعطى مهدئ بجرعة قوية نسبياً”، ويبدو أن أحد المضيفين على اتصال بطبيب في بلد ما على الأرض، ونقل له اقتراحي، فقال الطبيب: “إذاً أعطوه حقنة زناكس لسرعة المفعول”، ونقل لنا المضيف رأي الطبيب على الأرض، فقلت: “الحقنة ستزيد من هياجه، يجب أن يكون ذلك دون ألم، وخاصة أنه يعاني أصلاً من ألم القي”د، فوافقتي الطبيبة الإنجليزية، واقترح طبيب الأرض جرعة 5.، قلت: “رغم أني لست طبيباً مختصاً بالأدوية إلا أني أقترح جرعة أكبر وتتم مراقبته لمدة ساعة”، فوافقتني الطبيبة الإنجليزية، وأشرفت على إعطائه الدواء ونصحتها بلمسه والمسح عليه لطمأنته ففعلت.

وأتذكر في إحدى السنوات أنني شهدت نفس الحادثة في طائرة الخطوط الجوية الكويتية، وأيضاً عرضت خدامتي ورُفضت على اعتبار أنني لست طبيباً، فاقترحت على الشيخ طلال مبارك العبدالله الأحمد حينها، عندما كان مدير عام مؤسسة الخطوط، ضرورة أخذ المضيفين دورات في العلوم النفسية وفهم أعراض الهلع عند الركاب، وكلفني بذلك فكتبت دورة سيكلوجية الطيران aviation psychology ، ولكنهم بالنهاية لم يقيموها.

بعض الأمور تحتاج إلى أخصائيين نفسانيين ولا تحتاج إلى أطباء، ولكن يبدو في مجتمعاتنا ما زال الناس يعتدّون بالطبيب ولا يعتدّون بدور الأخصائي النفسي، فلمدة أكثر من ساعتين لم يستطع أربعة أطباء من جنسيات مختلفة، تشخيص حالة نفسية معروفة، وفي ظني أننا نحتاج إلى توعية نفسية، وبالأخص لمن يعمل في مجال الطيران.